الشيخ محمد هادي الأميني
12
أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) والرواة عنه
المتكلم : إن وفاه حقّه غلا ، وإن بخسه حقّه أساء ، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن ، صعبة المرتقى ، إلّا على الحاذق الدين » . والواقع أننا لو درسنا الجانب العلمي والفكري ، من حياته ( عليه السلام ) ، ألفيناه العالم ، والمجتهد الربّاني المستجمع الذي يقول على ملإ من الناس وعلى أعواد المنابر : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض » . ومن ذا الذي يجرأ من الناس أن يقول هذا الكلام في حشد من ألوف الخلق ، وما يؤمّنه أن يسأله سائل عن مسألة لا يكون عنده جوابها فيخجله فيها . أجل لا يجرأ على هذا القول والكلام ، إلّا من كان واثقا من نفسه ، بأنّ لديه جواب كلّ ما يسأل عنه . . . ثم هل تنحصر المسألة في علم من العلوم ، أو ناحية من النواحي ، أو جانب من الجوانب ، حتّى يجرأ أحد على هذا القول ، إذا لم يكن مؤيّدا بالتأييد الإلهي ، وواثقا من نفسه كلّ الوثوق بأنّه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما أشكلت ودقت ، فإنّ هذا لمقام يقصر العقل عن الإحاطة به ، ويسأل وهو على المنبر عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فيجيب بأنّه مسيرة يوم للشمس . . . وهو جواب إقناعيّ مركز علمي ، أحسن ما يجاب به في مثل المقام . وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عليّا ( عليه السلام ) ، كان بحق الحبر الأعلم الربّاني ، المؤيّد بالتأييد الإلهي فحسب ، لا يجاريه ولا يشاركه فيه أحد ، مهما أوتي من مناعة علمية جامعة ، وحيوية ثقافية كاملة . ولم يحدثنا التأريخ قبل أمير المؤمنين ، وبعده من عرض نفسه لمعضلات المسائل ، وكراديس الأسئلة ورفع عقيرته بجأش رابط بين الملإ العلمي بقوله سلوني . . . إلّا صنوه الرّسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فإنّه كان كذلك يكثر من قوله : سلوني عما شئتم . وقوله سلوني . . . سلوني . . . وقوله سلوني ، ولا تسألوني عن شيء إلّا أنبأتكم به . فكما ورث أمير المؤمنين علمه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ورث مكرمته هذه وغيرها ، وهما صنوان في المكارم والمناقب ، والقيم كلّها .